فخر الدين الرازي

57

تفسير الرازي

الاحتراز عن عقاب الآخرة ، وهذا يمنع من لزوم التكليف ، والمقصود من هذه الآيات تقرير الأمر بالجهاد والتكليف ، وإذا كان الجواب يفضي بالآخرة إلى سقوط التكليف كان هذا الكلام يقضي ثبوته إلى نفيه فيكون باطلا . الجواب : ان حسن التكليف عندنا غير معلل بعلة ورعاية مصلحة ، بل عندنا أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . والوجه الثاني : في تأويل الآية : أنه ليس الغرض من هذا الكلام الجواب عن تلك الشبهة بل المقصود أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن أن يقولوا مثل قول المنافقين ، قال : * ( والله يحيى ويميت ) * يريد : يحيي قلوب أوليائه وأهل طاعته بالنور والفرقان ، ويميت قلوب أعدائه من المنافقين . ثم قال تعالى : * ( والله بما تعملون بصير ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المقصود منه الترغيب والترهيب فيما تقدم ذكره من طريقة المؤمنين وطريقة المنافقين . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي * ( يعملون ) * كناية عن الغائبين ، والتقدير * ( ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير ) * والباقون بالتاء على الخطاب ليكون وفقا لما قبله في قوله : * ( لا تكونوا كالذين كفروا ) * ولما بعده في قوله : * ( ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم ) * . ثم قال تعالى : * ( ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما تجمعون ) * . واعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن شبهة المنافقين ، وتقريره أن هذا الموت لا بد واقع ولا محيص للانسان من أن يقتل أو يموت ، فإذا وقع هذا الموت أو القتل في سبيل الله وفي طلب رضوانه ، فهو خير من أن يجعل ذلك في طلب الدنيا ولذاتها التي لا ينتفع الانسان بها بعد الموت البتة ، وهذا جواب في غاية الحسن والقوة ، وذلك لأن الانسان إذا توجه إلى الجهاد أعرض قلبه عن الدنيا وأقبل على الآخرة ، فإذا مات فكأنه تخلص عن العدو ووصل إلى المحبوب ، وإذا جلس في بيته خائفا من الموت حريصا على جمع الدنيا ، فإذا مات فكأنه حجب عن المعشوق وألقي في دار الغربة ، ولا شك في كمال سعادة الأول ، وكمال شقاوة الثاني . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وحمزة والكسائي ( متم ) بكسر الميم ، والباقون بضم الميم ، والأولون أخذوه من : مات يمات مت ، مثل هاب يهاب هبت ، وخاف يخاف خفت ، وروى المبرد هذه اللغة فان صح فقد صحت هذه القراءة ، وأما قراءة الجمهور فهو مأخوذ من ، مات يموت مت : مثل قال يقول قلت .